
كتب الباحث منير حرب
انتشر رسالة إلكترونية صادرة عن وزيرة التربية ريما كرامي ، موجهة الى المدريريات التابعة لوزارة التربية والوحدات العاملة بها ، تطلب فيه الإنصياع لتوجيهات مستشارها عماد الجبوري

في حين إنتشر تعميم سابق صادر عن مجلس الوزراء يتناقض مع الرسالة الإلكترونية.

يكشف المستندان المتداولان مفارقة لافتة في طريقة إدارة وزارة التربية، بل يفتحان الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى احترام القوانين والأصول الإدارية التي تنظّم عمل الإدارات العامة في لبنان.
ففي تعميم رئيس مجلس الوزراء رقم 31 تاريخ 12 أيلول 2005، الصادر استناداً إلى المرسوم الاشتراعي رقم 111 (تنظيم الإدارات العامة)، جاء الطلب واضحاً وصريحاً إلى جميع الوزراء بعدم إسناد المهام التنفيذية إلى المستشارين، لأن ذلك يشكل مخالفة للقانون، ويؤدي إلى ازدواجية في العمل، ويضيع المسؤوليات، ويهمّش دور الإدارة العامة والمديرين العامين.
وفي المقابل، يظهر في البريد الإلكتروني لوزيرة التربية ريما كرامي توجيه واضح لفريق التكنولوجيا بضرورة الالتزام بتوجيهات مستشارها عماد جبوري، مع التأكيد أن المرجع في التخطيط والتنفيذ وقيادة مشاريع التحول الرقمي هو المستشار نفسه، وليس الإدارة المختصة أو المدير العام.
وهنا يبرز السؤال الطبيعي: أين المدير العام؟ وأين الإدارة العامة؟ وهل أصبحت وزارة التربية تُدار من خلال المستشارين بدلاً من المؤسسات التي أنشأها القانون؟
والأخطر من كل ذلك أن موظف الإدارة العامة، عندما يرتكب مخالفة أو يخطئ في ممارسة صلاحياته، يخضع لمنظومة رقابية واضحة ومحددة.
فهو يبقى تحت رقابة التفتيش المركزي، وديوان المحاسبة ضمن صلاحياته، والهيئة العليا للتأديب، فضلاً عن سائر أجهزة الرقابة الإدارية والقضائية. أي أن الموظف العام يعلم أن هناك جهة تستطيع مساءلته ومحاسبته إذا خالف القانون أو أساء استعمال السلطة.
أما المستشار الذي يعمل من خارج ملاك الإدارة، فمن هي الجهة التي تحاسبه إذا ارتكب مخالفة؟ وهل يخضع للآليات التأديبية نفسها التي يخضع لها الموظف العام؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أصدر توجيهات تنفيذية ترتب نتائج أو مخالفات إدارية أو مالية؟ هذه أسئلة لا يمكن تجاوزها عندما يصبح المستشار في موقع إصدار التعليمات وممارسة الدور التنفيذي داخل الوزارة.
ولعل وزارة التربية نفسها تقدم أفضل مثال على أهمية هذا المبدأ. فعلى مدى سنوات، كانت الوزارة، في عهد الوزراء المتعاقبين، ترفض إشراك معلمي المدارس الخاصة في أعمال مراقبة الامتحانات الرسمية، رغم كفاءتهم، بحجة أنهم ليسوا من ملاك وزارة التربية، وبالتالي فإن الأنظمة التأديبية والإدارية الخاصة بالوزارة لا تطالهم بالشكل نفسه الذي تطال به موظفيها، ما كان يشكل سبباً أساسياً لرفض إسناد تلك المهمة إليهم.
فإذا كانت الوزارة قد تمسكت بهذا المنطق في ملف مراقبة الامتحانات الرسمية، وهو عمل محدد ومؤقت، فكيف يُقبل اليوم، وفق ما يظهر في البريد الإلكتروني المتداول، أن تُناط مهام التخطيط والتنفيذ وقيادة مشاريع استراتيجية على مستوى الوزارة إلى مستشارين ومتعاقدين من خارج الملاك؟ أليس من باب أولى أن تُسند هذه الصلاحيات إلى موظفين نظاميين يخضعون للمساءلة الكاملة والرقابة القانونية؟ وكيف يمكن التوفيق بين هذا النهج وبين المبادئ التي كرّسها تعميم رئاسة مجلس الوزراء رقم 31، الذي شدد على عدم إسناد المهام التنفيذية إلى المستشارين حفاظاً على وحدة المسؤولية الإدارية واحترام الأصول؟
إن الإدارة العامة لا تُبنى على الأشخاص، بل على المؤسسات. وعندما يصبح المستشار مرجعاً تنفيذياً يوجّه الموظفين، فإن ذلك يثير تساؤلات جدية حول احترام الأصول الإدارية والفصل بين من يقدم المشورة ومن يمارس السلطة التنفيذية.
والأخطر أن هذا النهج يرسل رسالة سلبية إلى موظفي وزارة التربية الذين أفنوا سنوات في الخدمة العامة، فإذا بهم يشاهدون مراكز القرار تنتقل تدريجياً إلى مستشارين ومتعاقدين خارج الملاك الإداري، فيما تتراجع صلاحيات المديريات المختصة.
وتزداد علامات الاستفهام عندما تتداول معلومات عن الكلفة الكبيرة لفريق التحول الرقمي، إذ يُقال إن مستشار التحول الرقمي عماد جبوري يتقاضى نحو 13 ألف دولار شهرياً ، وهو مقيم خارج لبنان، وأن هناك فريقاً يضم نحو 30 متعاقداً يتقاضى كل منهم حوالى 3000 دولار شهرياً ، في وقت لا يُعرف فيه لهم دوام فعلي داخل الوزارة. وإذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فمن حق اللبنانيين أن يعرفوا أسس هذه التعاقدات، وآليات الرقابة عليها، وحجم الإنتاج الفعلي الذي تحقق مقابل هذه النفقات.
وفي المقابل، يعيش موظفو وزارة التربية والمعلمون واقعاً مالياً قاسياً، بعدما تآكلت رواتبهم بفعل الأزمة الاقتصادية، حتى باتت بالكاد تكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة. إنها مفارقة صادمة: موظفون ومعلمون “يلحسون التراب” برواتبهم الهزيلة، فيما تُصرف عشرات آلاف الدولارات شهرياً على مستشارين ومتعاقدين.
إن القضية ليست شخص عماد جبوري بحد ذاته، بل المبدأ. فإما أن تُدار الوزارة وفق القوانين والأصول الإدارية التي تحصر التنفيذ بالإدارة العامة، وإما أن تصبح الدولة رهينة فرق من المستشارين والمتعاقدين، بما يؤدي إلى إضعاف المؤسسات وتهميش الموظفين النظاميين.
لكن السؤال الأهم اليوم هو: كيف تنسجم توجيهات وزيرة التربية مع تعميم رئيس مجلس الوزراء رقم 31 الصادر عام 2005، الذي يمنع صراحة إسناد المهام التنفيذية إلى المستشارين؟ وإذا كان هذا التعميم لا يزال نافذاً، فهل خالفته الوزيرة؟ وإذا كان الجواب نعم، فأين موقف رئيس الحكومة نواف سلام؟ وأين دور مجلس الوزراء في ضمان احترام التعاميم والقوانين داخل الوزارات؟
وهل أصبح احترام التعاميم أمراً اختيارياً، يُطبَّق على بعض الإدارات ويُتجاهل في إدارات أخرى؟
ويبقى السؤال الأكثر سخرية: أهذه هي وزيرة “الإصلاح” التي رُفعت شعاراتها عند تشكيل الحكومة؟ إصلاحٌ يبدأ بتهميش الإدارة العامة، وتعويم المستشارين، وتحويلهم إلى أصحاب القرار التنفيذي، في مخالفة لتعميم صادر عن رئاسة مجلس الوزراء نفسها؟
إن الإصلاح الحقيقي لا يكون بإضعاف المؤسسات، بل بإعادة الاعتبار إليها. ولا يكون بتوسيع نفوذ المستشارين، بل بتطبيق القانون على الجميع، من أعلى الهرم إلى أدناه، لأن الدولة لا تقوم على الأشخاص، بل على احترام الأصول والمؤسسات.
الآراء الواردة في المقال لا تعبر عن رأي الموقع
#مرايا_الدولية



