كشفت ثغرتان أمنيتان في لغة البرمجة PHP عن
مخاطر واسعة تطاول البنية التقنية لجزء كبير من الإنترنت، بعدما نجحت أدوات الذكاء الاصطناعي في تحديد عيوب ظلت كامنة لسنوات. وأدى الإعلان عن الاكتشاف إلى تحركات عاجلة من حكومات ومؤسسات وشركات تكنولوجيا، شملت تعطيل مواقع إلكترونية احترازياً والدعوة إلى تثبيت تحديثات أمنية فورية.
وتشير تقديرات شركة «ويز» المتخصصة في الأمن السيبراني إلى أن PHP تُستخدم في تشغيل نحو 70% من مواقع الإنترنت، ما يوسع نطاق القلق بشأن الثغرتين اللتين أُعلن عنهما هذا الأسبوع. ووصف باحثون وشركات أمنية الاكتشاف بأنه من أبرز التحديات الأمنية التي أسهم الذكاء الاصطناعي في كشفها، فيما حذرت جهات متخصصة من احتمال تصاعد محاولات الاستغلال خلال الفترة المقبلة.
وتُعد PHP إحدى لغات البرمجة المستخدمة في بناء المواقع والتطبيقات الإلكترونية، إذ تعمل على الخوادم لمعالجة البيانات وتجهيز المحتوى الذي يظهر للمستخدمين. وقد ظهرت في أوائل تسعينيات القرن الماضي، واستمر اعتمادها على نطاق واسع في منصات وخدمات معروفة، بينها ويكيبيديا ونظام إدارة المحتوى ووردبريس، إلى جانب المتاجر الإلكترونية وتطبيقات الويب.
وتعتمد عليها أيضاً أطر تطوير برمجية مثل Laravel وSymfony وDrupal، الأمر الذي يجعل اكتشاف عيوب في بنيتها الأساسية مسألة تتجاوز موقعاً إلكترونياً بعينه، لتشمل مجموعة كبيرة من الأنظمة والخدمات التي تستخدمها.
وأطلقت شركتا «ويز» و«كاليف» على الثغرتين اسم «php2shell»، مشيرتين إلى ارتباطهما باللغة نفسها وتأثر إصدارات PHP الصادرة خلال السنوات العشر الماضية بهما. وقال ريان أوستن، الباحث في «كاليف» والمشارك في اكتشاف الخلل، لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، إن هذه أخطر ثغرة اكتشفها على الإطلاق.
ووفقاً لتوضيحات «ويز»، يمكن للمهاجمين استغلال هذه الثغرات في ظروف معينة للوصول إلى خوادم الويب المصابة، بما قد يتيح لهم السيطرة عليها وسرقة بيانات حساسة. وحذر بول سبين، الرئيس التنفيذي لشركة «غوريلا للأمن السيبراني»، من أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تختصر الوقت والجهد اللازمين لتنفيذ هجمات من هذا النوع، مقدراً أن يمتد تأثير المشكلة إلى ملايين المواقع.
من جهتها، وصفت جيل سلاي، الباحثة في الأمن السيبراني بجامعة أديلايد، احتمال استغلال الثغرات من قبل قراصنة أو جهات حكومية للوصول إلى البيانات الخاصة بأنه قد يؤدي إلى عواقب كارثية. كما رأى ساليل كانهيري، الباحث في جامعة نيو ساوث ويلز بسيدني، أن المواقع التي تفتقر إلى الصيانة المنتظمة والموارد الكافية للحماية ستكون أكثر عرضة للمخاطر.
وامتدت التدابير الاحترازية إلى مؤسسات ومواقع في عدة دول. فقد أوقفت مؤسسة «ويكيميديا»، المشغلة لويكيبيديا، بعض أنظمتها، فيما عُلّقت مواقع وصفحات إلكترونية تابعة للحكومة الفنلندية ومجلس مدينة إدنبرة وهيئة الإذاعة البريطانية. وأوقفت وكالة الأمن السيبراني الهولندية موقعها الإلكتروني أيضاً، إلى جانب مؤسسات عامة في اسكتلندا، بينها مجالس محلية وهيئات صحية.
ومع انتشار التفاصيل التقنية للاكتشاف، يتوقع باحثون تزايد محاولات استغلال الثغرتين خلال الأسابيع المقبلة. ويزيد تداول المعلومات المتعلقة بطريقة عملهما من أهمية الإسراع في معالجة الأنظمة المتأثرة، خصوصاً أن المواقع التي لا تحصل على تحديثات دورية قد تبقى مكشوفة أمام الهجمات.
وأصدرت مؤسسة PHP يوم الأربعاء تحديثات أمنية لمعالجة الخلل، ودعت مستخدمي اللغة إلى تثبيتها دون تأخير. وترافقت هذه الخطوة مع تحذيرات رسمية متتالية، إذ طالبت وكالة الأمن القومي الأميركية المؤسسات التي تستخدم PHP بإيقاف أنظمتها إذا تعذر تثبيت التحديثات فوراً، محذرة من أن الثغرات قد تتيح للمهاجمين الوصول إلى قواعد بيانات الأنظمة.
وأكدت الوكالة أن مستوى المخاطر يستدعي تطبيق الإصلاحات الأمنية بصورة عاجلة في الإدارات والوكالات الحكومية الأميركية. كما دعا المركز الوطني للأمن السيبراني في المملكة المتحدة المؤسسات إلى فحص أنظمتها بحثاً عن أي أبواب خلفية قد يزرعها المهاجمون، فيما صدرت تحذيرات مماثلة عن جهات مختصة في الاتحاد الأوروبي وسنغافورة وأستراليا.
وفي اليابان، حثت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي مستخدمي المواقع المتاحة للجمهور على التحقق من اعتمادها على PHP. وكتبت عبر منصة «إكس» أن هناك حاجة عاجلة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة، مضيفة أن تعليق المواقع مؤقتاً يمكن أن يشكل خياراً للحد من المخاطر إذا تعذر تثبيت التحديثات الأمنية على الفور.
وبالتوازي مع الإجراءات الحكومية، أفادت شركة أمازون بأنها واجهت محاولات هجوم متعددة قبل الإعلان العلني عن مشكلة PHP بأيام، مؤكدة أن مواقعها كانت تعمل بصورة طبيعية. وكشف ماثيو برينس، رئيس شركة «كلاود فلير» المتخصصة في البنية التحتية للإنترنت، عن رصد آلاف محاولات استغلال الثغرات عبر شبكة الشركة خلال الساعات العشر السابقة للإعلان عنها.
وأوضح برينس، في منشور على «إكس»، أن المحاولات ارتفعت إلى عشرات الآلاف خلال الدقائق الـ45 التالية للكشف، ثم بلغت مئات الآلاف خلال ساعتين، قبل أن تصل إلى ملايين المحاولات.
ويبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه عاملاً رئيسياً في اكتشاف الخلل، بعدما استخدم باحثون من «ويز» و«كاليف» أدوات متقدمة لتحليل الشيفرات البرمجية ورصد العيوب بسرعة تتجاوز قدرات أساليب الفحص التقليدية. وقال كانهيري إن تعقيد البرمجيات الحديثة يسمح ببقاء بعض الثغرات دون اكتشاف لسنوات، موضحاً أن الأخطاء الأساسية لم تكن جديدة، لكن القدرة على تحديدها هي التي شهدت تطوراً ملحوظاً.
وساهم تسرب تفاصيل الاكتشاف عبر الإنترنت في تسريع إعلان مطوري PHP عن المشكلة وحجم تأثيرها، فيما تناولت «أوبن إيه آي» الحادثة في تدوينة باعتبارها دليلاً على قدرة الذكاء الاصطناعي على كشف الثغرات الأمنية، مع التنبيه إلى أن التقنية نفسها قد تساعد المهاجمين على تطوير أدوات هجومية واستغلال العيوب بوتيرة أسرع.
وأعلنت الشركة المطورة لـ«شات جي بي تي» إصدار أداة للتحقق من مستوى أمان منصة PHP. وفي السياق نفسه، أشار رايان كو، الباحث في مركز أبحاث الأمن السيبراني بجامعة كوينزلاند، إلى أن كثيراً من هذه المشكلات يعود إلى تصميمات برمجية قديمة أعطت الأولوية للوظائف والأداء على حساب الأمان، ما يسلط الضوء على التحديات التي تواجه الأنظمة التي استمر استخدامها لسنوات طويلة.
#مرايا_الدولية



