صحة و جمال

حروب الذاكرة: كيف تحول الصدمات النفسية أجسادنا؟

تداعيات بيولوجية خطيرة تصل لخطر الوفاة المبكرة

هل تنطبع الأوجاع النفسية في خلايا الجسد؟ هذا التساؤل بات محوراً للنقاشات اليومية والافتراضية لتفسير التبعات العميقة والآثار الجسدية التي تتركها التجارب القاسية.

تاريخياً، شهدت فترة التسعينيات من القرن العشرين جدلاً علمياً عاصفاً عُرف باسم “حروب الذاكرة”، وتمحور هذا السجال حول مدى قدرة العقل البشري على طمر الذكريات الصادمة كلياً ومن ثم استعادتها مستقبلاً أثناء جلسات العلاج النفسي، بحسب ما أورده تقرير مفصل لموقع (The Conversation).

وتستند هذه الأطروحة بالأساس إلى أدبيات ونظريات التحليل النفسي التي تفترض أن الذهن البشري يكبت الخبرات المؤلمة ويعزلها كآلية دفاعية لحماية الفرد، في حين تظل تلك الذكريات المكبوتة عابثة بصحته النفسية ومؤثرة فيها. واليوم، يذهب الباحثون إلى أبعد من ذلك، مؤكدين أن الجسد ذاته يتحول إلى مستودع لتخزين تلك الذكريات، لتطفو لاحقاً على السطح في هيئة اعتلالات وأعراض جسدية صريحة.

كيف تنعكس الصدمة على الأعضاء الحيوية؟

إن الأثر التدميري للصدمة لا يتوقف عند عتبة الدماغ أو المنظومة العصبية فحسب؛ إذ تثبت دراسات جمة أن المعاناة المزمنة من الضغوط تنعكس سلباً وبشكل مباشر على كفاءة وظائف مختلف أعضاء الجسم. ويوضح العلماء في هذا الصدد أن الوقوع تحت وطأة التوتر والضغط المستمر يغير مستويات هرمونات حيوية في الجسم مثل الأدرينالين والكورتيزول، الأمر الذي يترتب عليه بيولوجياً ارتفاع ضغط الدم، واضطرابات حادة في النوم، وعيش حالة دائمة من التحفز والشعور المستمر بالخطر.

وفي السياق ذاته، بينت أبحاث موسعة صادرة عن الجمعية الأميركية لعلم النفس (APA) أن بقاء هرمون الكورتيزول في مستويات مرتفعة لفترات طويلة يضعف المنظومة المناعية وكفاءتها، ويرفع احتمالات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بالإضافة إلى التسبب في اضطرابات الجهاز الهضمي، والسكري، والسمنة المفرطة.

كما أفادت مراجعة علمية دقيقة نشرتها مجلة (Nature Reviews Immunology) بأن الضغوط النفسية المزمنة تحفز حالة من الالتهاب المستمر منخفض الدرجة داخل الجسم، وهي وضعية بيولوجية خطيرة ترتبط مباشرة بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة كبرى، مثل تصلب الشرايين، والسكري من النوع الثاني، وبعض المشاكل والاضطرابات العصبية. وتدعم منظمة الصحة العالمية هذه الحقائق الطبية بالإشارة إلى أن الصدمات النفسية قد تتسبب في آلام مزمنة، وصداع مستمر، وأزمات هضمية، وإعياء وإنهاك دائم، وتبدلات واضحة في الكفاءة المناعية، حتى وإن انقضت سنوات طويلة على الحدث الصادم الأصلي.

 تفاصيل اضطراب ما بعد الصدمة

من أبرز تجليات هذه الحالة ما يُعرف طبيعياً باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وهو اعتلال صحي ونفسي معقد ينجم عن عيش تجربة مفزعة وقاسية أو معايشتها ومشاهدتها. وتتبلور كبرى علاماته في الاجترار القهري والمتكرر للحدث، والكوابيس المزعجة أثناء النوم، والتوتر والقلق الحاد، والأفكار المتطفلة التي يستعصي على المريض السيطرة عليها. ورغم أن هذه الأعراض قد تتبدى خلال الأشهر الثلاثة الأولى من وقوع الصدمة، إلا أن ظهورها قد يتأخر حيناً لسنوات كاملة.

ولا تنحصر مظاهر هذا الاضطراب في الفضاء النفسي، بل تمتد لتشمل تغيرات سلوكية وفيزيولوجية واضحة؛ مثل نوبات الهلع، وعسر وصعوبة التنفس، وتسارع نبضات القلب، فضلاً عن فرط التعرق، والارتجاف، والإرهاق المتواصل، وفرط اليقظة، وسهولة الفزع من أي مؤثر خارجي. وينضاف إلى ذلك سرعة الاستثارة، ونوبات الغضب الحاد، أو المسلك السلوكي العدواني، وقد يتجه بعض المتضررين والمصابين إلى الإفراط في معاقرة الكحول أو الانخراط في سلوكيات طائشة تنطوي على خطورة بالغة على حياتهم.

 هل يمكن للصدمات أن تكون قاتلة؟

أما عن التداعيات الأشد خطورة، فرغم أن الصدمة النفسية لا تقود إلى الموت بشكل فوري ومباشر، إلا أن الأبحاث الطبية تؤكد مساهمتها في زيادة مخاطر الوفاة على المدى البعيد من خلال رفع احتمالات الإصابة الشديدة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتات الدماغية.

إذ بينت مراجعة علمية شاملة (Meta-analysis) رصدت وجمعت نتائج ٢٤ دراسة متخصصة، أن الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة ترتبط برفع خطر الوفاة الناجمة عن شتى الأسباب بنسبة لا تقل عن ٣٠% مقارنة بالأشخاص غير المصابين. وكشفت أبحاث موازية أن المصابين بهذا الاضطراب هم الأكثر عرضة لاعتلالات القلب، حيث تتضاعف احتمالات الوفاة القلبية لديهم في بعض الدراسات لتصل إلى ضعف المعدل المسجل طبيعياً لدى غير المصابين.

وعلاوة على ذلك، ترصد الدراسات ارتباطاً وثيقاً بين اضطراب ما بعد الصدمة والارتفاع الملحوظ في خطر الانتحار، إلى جانب تصاعد نسب الوفيات الناجمة عن الحوادث، وإدمان المخدرات والكحول، والأمراض المزمنة الناشئة عن التوتر الشديد؛ وهو ما يراه الباحثون تجسيداً حياً ودليلاً قاطعاً على الأثر البيولوجي والنفسي عميق ومديد المفعول الذي تخلفه الصدمات على الإنسان.

#مرايا الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى