لبنان

حين يسكن الخصم في رأسك

فاتن: حين تُخرج خصومتك من رأسك، تبدأ باستعادة نفسك

Fatin Ali

‏ink.by.Fatin

‏في صباح الجمعة، تتخفف الروح قليلاً من ضجيج الأيام، وتبحث عن مساحة أكثر هدوءًا داخلها.

‏فالجمعة ليست يومًا عابرًا في الأسبوع، بل فرصة نعيد فيها ترتيب ما بعثرته الأيام في داخلنا، ونترك خلفنا ما أثقل القلب، ونمضي بخفة أكبر نحو الله، ونحو الحياة، ونحو أنفسنا.

‏ومن أجمل ما يمكن أن نهبه لأنفسنا في هذا اليوم أن نتحرر من الأشخاص الذين أخذوا من تفكيرنا أكثر مما يستحقون، ومن المواقف التي انتهت في الواقع لكنها ما زالت تعيش في الذاكرة، ومن الخصوم الذين غادروا المشهد وبقوا يسكنون الرأس.

‏إذا سمحت لخصومك أن يسكنوا رأسك، فقد منحتهم السيطرة عليه.

‏قد يكون الخصم شخصاً آذاك بكلمة، أو موقف، أو خيانة، أو ظلم، لكن أخطر ما يمكن أن يفعله بك ليس ما قاله أو فعله، وإنما أن يجعلك تستمر في التفكير فيه بعد أن ينتهي كل شيء.

‏أن تراقب ماذا قال

‏وماذا قصد

‏ولماذا فعل

‏وماذا سيقول عنك

‏وكيف ترد عليه

‏وكيف تثبت له أنه مخطئ

‏هنا لا يعود الخصم خارجك، بل يصبح جزءًا من يومك، ومن مزاجك، ومن قراراتك، وربما من نومك.

‏وهذه هي الهزيمة التي لا يراها أحد.

‏فالإنسان قد يخسر معركة خارجية، ثم يخرج منها منتصرًا لأنه حافظ على سلامه الداخلي، وقد ينتصر أمام الناس، لكنه يعود إلى نفسه مهزومًا لأنه سمح لشخص آخر أن يحتل عقله.

‏نحن لا نستطيع أن نمنع الآخرين من الإساءة، ولا أن نتحكم في نواياهم أو أحكامهم أو كلامهم عنا، لكننا نستطيع أن نقرر المساحة التي نعطيهم إياها داخلنا.

‏وهذه واحدة من أكثر صور النضج الإنساني وضوحاً:

‏أن تعرف متى ترد، ومتى تصمت، ومتى تواجه، ومتى تنصرف، والأهم أن تعرف متى تغلق الباب من الداخل.

‏فليس كل خصم يستحق معركة

‏وليس كل إساءة تستحق رداً

‏وليس كل رأي فيك يستحق أن تعيد بناء نفسك على أساسه

‏أحيانًا يكون الرد الحقيقي هو أن تستمر في حياتك وكأنك لم تمنح الإساءة حق امتلاك يومك.

‏فالذين ينجحون في استفزازك حتى يتغير مزاجك، أو يفسد يومك، أو تفقد ثقتك بنفسك، لم يعودوا بحاجة إلى الاقتراب منك؛ لأنهم أصبحوا يعيشون في المساحة التي كان ينبغي أن تكون لك وحدك.

‏ولهذا، فإن التحرر من الخصومة الداخلية أعمق من الانتصار في الخصومة الخارجية.

‏بنى الفيلسوف الرواقي إبكتيتوس جانبًا أساسيًا من فلسفته على التمييز بين ما يقع تحت سيطرتنا وما لا يقع تحتها؛ فاختياراتنا وأحكامنا وأفعالنا تقع ضمن مجال إرادتنا، أما أفعال الآخرين وأحكامهم وما يقع خارج قدرتنا، فلا ينبغي أن نجعل سلامنا رهينة له.

‏وهذه الفكرة تصلح لأن تكون قاعدة لحياة أكثر سلامًا:

‏لا تنفق طاقتك في محاولة السيطرة على ما لا تملك السيطرة عليه.

‏فقد لا تستطيع أن تمنع شخصاً من أن يسيء فهمك، لكنك تستطيع أن تمنعه من أن يجعلك تسيء فهم نفسك.

‏وقد لا تستطيع أن تمنع أحدًا من الحديث عنك، لكنك تستطيع أن تقرر ألا تجعل حديثه معيارًا لقيمتك.

‏وقد لا تستطيع تغيير خصمك، لكنك تستطيع أن تغيّر مكانه في حياتك.

‏وهنا تكمن الحرية الحقيقية:

‏أن يبقى عقلك ملكًا لك، وألا تمنح مفتاحه لمن أغلقت في وجهه باب القرب منك.

‏فالسلام الداخلي لا يعني أننا لم نتأذَّ، ولا يعني أننا نسينا ما حدث، وإنما يعني أننا وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها ما حدث قادراً على قيادة حياتنا.

‏ومن هذا المعنى تقترب أفكار فيكتور فرانكل عن حرية الإنسان في اختيار موقفه تجاه الظروف التي لا يستطيع تغييرها؛ فحتى حين تضيق مساحة السيطرة على الخارج، تبقى للإنسان مساحة داخلية يستطيع فيها أن يختار كيف يستجيب.

‏وربما لهذا، فإن بعض أعظم الانتصارات لا يصفق لها أحد:

‏أن تتوقف عن تفسير نفسك لمن لا يريد أن يفهمك

‏أن تتوقف عن مراقبة من يؤذيك

‏أن تتوقف عن انتظار اعتذار قد لا يأتي

‏أن تضع الماضي في مكانه الصحيح

‏وأن تستعيد رأسك من كل شخص أقنعك يوماً بأنه يملك مفتاح مزاجك وسلامك

‏في هذه الجمعة، ربما لا نحتاج إلى أن ننتصر على أحد.

‏ربما نحتاج فقط إلى أن ننتصر على تلك الرغبة في البقاء داخل المعارك التي انتهت.

‏فالحياة أقصر من أن نقضيها في محاكمات لا تنتهي داخل عقولنا، والقلب الذي عرف طريقه إلى السلام لا يعود بحاجة إلى إثبات شيء لأحد.

‏ويبقى المعنى الأعمق:

‏حين تُخرج خصومتك من رأسك، تبدأ باستعادة نفسك.

‏وحين تستعيد نفسك، يفقد خصمك آخر سلطة كانت له عليك.

‏اللهم في يوم الجمعة، طهّر قلوبنا من الضغائن، وأرح أرواحنا من أثقالها، وامنحنا حكمة الانسحاب من كل ما يؤذينا، وقوة التجاوز، وسلامًا لا يستطيع أحد أن ينتزعه منا.

‏#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى