أطلق المفتش العام للجيش الألماني، كارستن بروير
تحذيراً جاداً يفيد بأن القارة الأوروبية بحاجة ماسة إلى مهلة زمنية كافية وإلى إستراتيجية أمريكية جلية المعالم لإعادة تشكيل وتشييد منظومتها الدفاعية الذاتية، ويأتي هذا التصريح بالتزامن مع تسارع وتيرة التسلح العالمي وتعاظم الهواجس المتعلقة باحتمالية تقليص الدعم العسكري والوجود الأمريكي في أراضي القارة، وذلك استناداً لما أوردته وكالة بلومبرغ الإخبارية.
وأفاد بروير، أثناء تواجده ومشاركته الفعالة في فعاليات منتدى شانغريلا الأمني المنعقد في سنغافورة، بأن الدول الأوروبية أصبحت واعية تماماً بوجوب أخذ زمام المبادرة وتحمل تبعات أمنها القومي بنفسها، مستدركاً بأنها لا تملك القدرة الفورية على تشييد وتطوير المؤهلات العسكرية اللازمة بالسرعة الفائقة التي تصر عليها الإدارة في واشنطن.
وزاد المسؤول العسكري في سياق حديثه الصحفي مع وكالة بلومبرغ، مبيناً أن جمهورية ألمانيا الاتحادية قد بادرت بالفعل إلى رفع معدلات إنفاقها المخصص لقطاع الدفاع بصورة ملحوظة، كما قطعت عهداً على نفسها بالوصول إلى النسبة المستهدفة من قبل حلف شمال الأطلسي والبالغة ٣.٥% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد مع حلول عام ٢٠٢٩، وهو ما يمثل تبكيراً بواقع ست سنوات كاملة عن الجدول الزمني الذي جرى الاتفاق عليه مسبقاً بين أعضاء الحلف.
وشدد بروير على أن الجانب الأوروبي يستلزم الحصول على إيضاحات تامة وشفافية مطلقة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية فيما يخص طبيعة ومستقبل انتشار تعزيزاتها العسكرية في القارة، معقباً بأن أي خطوة تهدف لسحب الإمكانات والقدرات الأمريكية يجب أن تقترن بجدول زمني دقيق ومحدد، بما يتيح للبلدان الأوروبية فرصة سد هذا الفراغ وتعويض النقص الحاصل بشكل تدريجي ومدروس.
كما لفت الانتباه إلى أن واشنطن ما زالت تبدي التزاماً حثيثاً بحماية أوروبا والدفاع عنها، لكنه ركّز في الوقت عينه على ضرورة استبيان ما إذا كانت العناصر العسكرية الأمريكية ستحافظ على تمركزها الميداني المباشر داخل الحدود الأوروبية أم سيتم توجيهها وإدارتها عملياتياً من خارج القارة، وتأتي هذه الرؤية التي طرحها القائد العسكري الألماني في أعقاب انتقادات حادة وجهها وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إلى الحلفاء الأوروبيين خلال أعمال المنتدى ذاته، حيث أشار إلى أن شركاء الولايات المتحدة في أوروبا وحلف الناتو يواجهون استحقاق اتخاذ قرارات مصيرية كبرى، دون أن يفصح عن تفاصيل وجوهر تلك القرارات المنتظرة.
وفي ذات المسار الإخباري، كشفت صحيفة فيلت أم زونتاغ الألمانية أن وزارة الدفاع الأمريكية تعتزم الكشف قريباً عن خطط وبرامج ملموسة تهدف لتقليص حجم انخراطها العسكري في الساحة الأوروبية وبمعدلات تفوق التوقعات السابقة، لا سيما في حال وجدت واشنطن نفسها مجبرة على خوض مواجهات عسكرية متعددة في أكثر من جبهة وإقليم في آن واحد.
وكان البنتاغون قد أعلن رسمياً في وقت سابق من الشهر الجاري عن قراره بسحب ما يقارب ٥ آلاف جندي وضابط من الأراضي الألمانية، وهي الخطوة العملية التي تسببت في إثارة مخاوف متصاعدة لدى الأوساط الأوروبية بشأن المآل الذي تنتظره المظلة الأمنية الحمائية التي توفرها أمريكا للقارة، ويتعاظم هذا التوتر الراهن بالتزامن مع بروز خلافات حادة ومستمرة بين واشنطن والعواصم الأوروبية المختلفة حول ملف الرسوم الجمركية المفروضة على قطاع السيارات، والخطط الرامية لنشر منظومات الصواريخ بعيدة المدى، علاوة على التبعات الناتجة عن الحرب الإيرانية والضغوطات المتواصلة التي تمارسها الإدارة الأمريكية على الجانب الأوروبي لدفعه نحو زيادة ميزانياته الدفاعية.
الجدير بالذكر أن ألمانيا تحتضن حالياً الكتلة الأكبر من التواجد العسكري الأمريكي فوق الأراضي الأوروبية، حيث ينتشر ما يزيد على ٣٦ ألف عسكري أمريكي يتوزعون على ٥ قواعد عسكرية رئيسية، تأتي في مقدمتها قاعدة رامشتاين الجوية الشهيرة، ومن جهة أخرى، أوضح بروير أن جمهورية الصين الشعبية تضيع على نفسها فرصاً حقيقية لبناء جسور التواصل مع بلدان القارة الآسيوية وخارجها، مؤكداً في الوقت ذاته أن المصالح الإستراتيجية لأوروبا في تلك المنطقة الحيوية لا تقتصر على العلاقة مع بكين فحسب، بل تمتد لتشمل قضايا وملفات دولية بالغة الأهمية مثل الأزمة الأوكرانية وسلامة واستقرار سلاسل الإمداد على المستوى العالمي.
وفي الختام، تعكف دول حلف شمال الأطلسي حالياً على وضع اللمسات الأخيرة لاستعراض خططها الدفاعية المستحدثة والجديدة كلياً خلال أعمال القمة المرتقبة للحلف، والتي تقرر عقدها في العاصمة التركية أنقرة خلال شهر يوليو تموز المقبل، وسط ظروف تتسم بضغوطات متنامية تهدف لرفع سقف الإنفاق العسكري الأوروبي وتطوير الطاقات الدفاعية الذاتية للقارة العجوز.
#مرايا_الدولية




