شهدت أسواق النفط العالمية اليوم الإثنين قفزة دراماتيكية تجاوزت
نسبتها 4.2%، مدفوعة بجولة جديدة من الغارات الجوية التي شنتها القوات الأمريكية على أهداف داخل إيران، وإقدام طهران في المقابل على إغلاق مضيق هرمز، وهو الممر البحري الاستراتيجي الذي يتدفق عبره ما يقارب خمس إمدادات الطاقة الحيوية في العالم وتجتازه مئات من سفن الشحن التجاري بصفة يومية، مما ينذر بتداعيات وانعكاسات سلبية تتردد أصداؤها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عالمياً.
وفي بورصات الطاقة، قفزت العقود الآجلة لمزيج برنت القياسي لتستقر بالقرب من مستوى 79.2 دولاراً للبرميل الواحد، في حين سجلت العقود الآجلة للنفط الأمريكي صعوداً موازياً بنسبة بلغت 4.3% لتصل إلى حدود 74.5 دولاراً للبرميل، وجاء هذا الارتفاع الحاد في أعقاب البيان الرسمي الصادر عن القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” والذي أكدت فيه تنفيذ هجمات عسكرية إضافية ضد الجانب الإيراني.
ويعيد هذا الصعود المتسارع لأسعار الذهب الأسود إلى الأذهان المخاوف العميقة من عودة الاضطرابات العنيفة إلى أسواق الطاقة العالمية، حيث يهدد أي صراع عسكري ممتد في منطقة الخليج العربي بسد شريان تدفقات النفط الخام والغاز الطبيعي، علاوة على دوره المباشر في رفع تكاليف الشحن البحري وأقساط التأمين على السفن، وهو ما يترجم سريعاً على شكل زيادة في أسعار السلع الاستهلاكية ومختلف الخدمات في شتى أرجاء المعمورة.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز في كونه المعبر الرئيسي لنحو 20% من إجمالي إمدادات النفط على مستوى العالم، إلى جانب شحنات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، مما يجعل من أي تهديد يمس سلامة الحركة الملاحية في هذا الممر عاملاً كافياً لإرباك الأسواق وهز استقرارها، حتى قبل أن يحدث أي نقص حقيقي أو فعلي في كميات المعروض من الطاقة.
وتتزايد الهواجس الدولية من أن تؤدي هذه الارتفاعات المتتالية في أسعار الخام إلى إشعال الضغوط التضخمية مجدداً، لاسيما في الدول والمنظومات الاقتصادية التي تعتمد كلياً أو بشكل كبير على استيراد مصادر الطاقة لتسيير عجلتها الاقتصادية؛ فالزيادة السعرية للنفط لا تتوقف عند حدود محطات الوقود فحسب، بل إنها تتغلغل بعمق لتشمل نفقات الإنتاج، وعمليات النقل، والقطاع الزراعي، والصناعات التحويلية بمختلف أنواعها.
وفي حال استمرار هذا المنحنى التصاعدي لأسعار الطاقة، فإن قطاعات حيوية مثل شركات الطيران وشركات النقل البري والبحري ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع ارتفاع هائل في فواتير تشغيلها اليومية، مما قد يضطر العديد منها إلى إقرار زيادات متتالية على أسعار خدماتها المقدمة بهدف تعويض الارتفاع الحاصل في تكلفة الوقود.
وفي السياق ذاته، يمتد التأثير السلبي ليشمل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وفي مقدمتها صناعة البتروكيماويات، والأسمدة الكيماوية، وصناعة المعادن، إذ تمثل الطاقة ركيزة وعنصراً أساسياً في هيكل التكاليف الإنتاجية لهذه القطاعات، الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى قفزات سعرية يتحملها المستهلك النهائي عند شراء المنتجات المصنعة.
ويأتي قطاع الطيران والملاحة الجوية على رأس القطاعات الأكثر تأثراً بحركة بورصات النفط صعوداً وهبوطاً، نظراً لأن وقود الطائرات يستأثر بحصة أسد ضخمة من إجمالي النفقات التشغيلية للشركات؛ وبالتالي فإن أي بقاء لأسعار الخام عند مستويات مرتفعة ولفترات طويلة سيجبر الإدارات التنفيذية لشركات الطيران على إعادة تقييم وتسعير تذاكر السفر أو حتى إلغاء بعض الخطوط والرحلات الجوية التي لا تحقق عوائد وربحية مجدية.
ولا تقتصر الصعوبات على النقل الجوي بل تواجه شركات الشحن البحري حزمة من التحديات الإضافية، بسبب الصعود المشترك لأسعار الوقود البحري والارتفاع الحاد في رسوم التأمين ضد المخاطر الأمنية في المضائق والممرات البحرية الساخنة، وهو ما يتوقع أن يرفع تكلفة شحن ونقل البضائع والمواد الأساسية على مستوى العالم ككل.
وعلى الرغم من أن القفزة الحالية في أسعار النفط تترجم بصورة واضحة المخاوف من الأخطار الجيوسياسية الراهنة، فإن المسار الذي ستتخذه السوق في الفترة المقبلة يظل معلقاً بمدى رقعة المواجهة العسكرية الدائرة وما إذا كانت ستؤول إلى إحداث ضرر حقيقي بإنتاج النفط أو تعطيل جدي لحركة تصديره.
ويراقب المستثمرون والفاعلون الاقتصاديون بكثير من التوجس مجريات الأحداث المتلاحقة في الخليج، مع التركيز بصفة خاصة على الوضع الميداني في مضيق هرمز، وسط مخاوف حقيقية من أن يقود أي تعطيل شامل وطويل الأمد للملاحة إلى تسجيل قفزات قياسية جديدة في الأسعار، تعيد إلى الأذهان سيناريوهات أزمات الطاقة التاريخية القاسية، وتضاعف من الأعباء الملقاة على عاتق الحكومات والبنوك المركزية التي تكافح جاهدة لكبح جماح التضخم وإبقاء الأسعار تحت السيطرة.
#مرايا_الدولية



