شهد منتجع بورغنشتوك الجبلي في سويسرا جولة محادثات مكثفة أفضت إلى
صياغة أرضية مشتركة ومتينة تمهيداً لإبرام معاهدة سلام نهائية تنهي الصراع المسلح في الشرق الأوسط.
وجاء هذا الإعلان على لسان نائب الرئيس الأميركي، جاي دي فانس، قبيل مغادرته مقر الاجتماعات اللواء، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد انطلاق مناقشات ذات طابع “فني” لاستكمال ما تم الاتفاق عليه.
واستمرت الاجتماعات الماراثونية بين الوفود رفيعة المستوى لعدة ساعات داخل المنتجع السويسري، تحت رعاية ودبلوماسية نشطة من دولتي قطر وباكستان كواسطين رئيسيين.
وتأتي هذه الخطوة استكمالاً لمذكرة التفاهم التي وضعت حداً للعمليات العسكرية التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير (شباط) الماضي جراء ضربة أميركية إسرائيلية استهدفت الأراضي الإيرانية.
وتمنح هذه المذكرة الأطراف مهلة زمنية تمتد لـ 60 يوماً بهدف بلورة اتفاق نهائي ومستدام يرتكز بالدرجة الأولى على حسم ملف طهران النووي ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
وشبه نائب الرئيس الأميركي، جاي دي فانس، الوضع الحالي بوضع حجر الأساس لبناء بيت لم يكتمل بعد، مؤكداً في تصريحات للصحافيين أنهم تمكنوا من تأسيس ركيزة صلبة جداً من أجل الوصول إلى اتفاق ختامي ناجح، يضمن تحقيق مصلحة الشعب الأميركي حتماً.
وفي سياق متصل، كشف فانس عن موافقة الجانب الإيراني على إعادة استقبال مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبراً هذه الخطوة قفزة نوعية وتاريخية بالنسبة لبلاده، وبداية فعلية نحو تفكيك البرنامج التسلحي والنووي الإيراني بشكل دائم.
في المقابل، وبالرغم من نفي طهران المستمر للمساعي الغربية الرامية لامتلاكها سلاحاً نووياً وتأكيدها على الطابع السلمي لأنشطتها، إلا أنها كانت قد حظرت دخول المفتشين الدوليين لمنشآتها عقب القصف المشترك الذي نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل في يونيو (حزيران) من عام 2025؛ وهو الملف الذي طالما شكّل بؤرة الخلاف الكبرى بين إيران والمجتمع الغربي.
من جهته، قلل المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، من حجم ما دار حول هذا الملف محلياً، موضحاً أن اللقاء السويسري تضمن فحسب مباحثات مقتضبة للغاية وعرضاً سريعاً ومتبادلاً لمواقف الطرفين دون الخوض في التفاصيل الدقيقة، مشدداً على أنه لا يمكن اعتبار تلك الحوارات انطلاقة رسمية للمفاوضات النووية.
وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، غادر وفد طهران الذي ترأسه رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف بمعية وزير الخارجية عباس عراقجي سويسرا فور اختتام 18 ساعة متواصلة من المباحثات المعمقة. وتزامناً مع ذلك، نشر وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، صورة عبر الفضاء الرقمي تجمع بين نائب الرئيس الأميركي فانس والمبعوث الخاص جاريد كوشنر أثناء العمل ليلاً في مدينة لوسيرن السويسرية، معلقاً بأن الجهود الدبلوماسية مستمرة دون توقف.
من جانبها، أكدت وزارة الخارجية السويسرية أن الأجواء الحالية باتت مهيأة تماماً ومناسبة جداً لاستئناف اللقاءات فوراً بين الفرق التقنية والفنية المعنية بمتابعة الملفات طيلة الأسبوع الحالي.
وأثمرت الوساطة القطرية الباكستانية المشتركة عن بلورة آليات واضحة تضمن وقف القتال على الأراضي اللبنانية وحماية الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وهما الملفان اللذان تسببا في هزات عنيفة مست الاقتصاد العالمي بأكمله. ووصف بيان الحكومتين (الدوحة وإسلام آباد) التطورات بأنها تقدم مشجع، وهو ما تقاطع مع تصريحات عباس عراقجي الذي أكد إحراز تقدم ملموس لإنهاء حرب لبنان، معلناً في الوقت ذاته عن استثناء قطاعات النفط والبتروكيماويات الإيرانية تماماً من العقوبات، وإنهاء الحصار المفروض على الموانئ البحرية لطهران، واسترجاع جزء من الأرصدة المالية الإيرانية المحتجزة في الخارج، بالإضافة إلى تدشين مشروع ومخطط ضخم مخصص لإعادة إعمار إيران وتنميتها مجدداً.
وحول الأموال المفرج عنها، شدد فانس على وضع واشنطن لرقابة صارمة تضمن توجيه هذه التدفقات النقدية لصالح الشعب الإيراني وقطع الطريق أمام استخدامها في دعم الأنشطة الإرهابية قانونياً أو سياسياً. وتحضيراً للمراحل القادمة، أعلن مسؤول إيراني عن زيارة مرتقبة سيجريها الرئيس مسعود بيزشكيان إلى باكستان يوم الثلاثاء.
وأصرت طهران طوال المباحثات على أن تسوية النزاع يجب أن تشمل جبهات القتال كافة، لا سيما الجبهة اللبنانية التي تشهد مواجهات ضارية منذ مارس (آذار) الماضي بين الجيش الإسرائيلي وحليفتها جماعة حزب الله.
ورغم استمرار المعارك عقب توقيع تفاهم الأربعاء، إلا أن الهدوء النسبي ساد الجبهة منذ عصر السبت الماضي. ولضمان ديمومة هذا الاستقرار، تضمن البيان المشترك لقطر وباكستان اتفاقاً على تأسيس خلية مشتركة لفض النزاعات ومراقبة الالتزام بوقف العمليات العسكرية في لبنان، والتي اعتبرها عراقجي بمثابة الاختبار الحقيقي الأول لجدية الاتفاق.
وفي السياق ذاته، تلقى رئيس الجمهورية اللبناني، جوزاف عون، مكالمة هاتفية من فانس تناولت آليات تثبيت ووقف إطلاق النار رسمياً. على المقلب الآخر، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ليؤكد بقاء قواته في جنوب لبنان طالما استدعت الحاجة، بينما أشار وزير دفاعه يسرائيل كاتس إلى تمسك تل أبيب بحرية الحركة والرد الفوري ضد أي تهديدات قائمة؛ حيث أسفرت المواجهات الأخيرة عن مقتل العشرات بلبنان وخمسة عسكريين إسرائيليين، ما هدد بشكل مباشر صمود مذكرة التفاهم.
أما فيما يخص مضيق هرمز، فقد اتفق الخصمان على مد خط اتصال مباشر لتقليل الحوادث وضمان العبور الآمن لكافة الناقلات والسفن التجارية عبر الممر المائي الدولي.
ورغم التفاعلات الإيجابية والانتعاش اللحظي الذي شهدته الأسواق المالية صباح الاثنين، إلا أن أوساط التحليل الاقتصادي والسياسي أبدت حذراً شديداً، تزامناً مع تحذيرات أطلقها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب متوعداً بإعادة قصف المنشآت الإيرانية مجدداً في حال عجزت طهران عن كبح جماح وحظر عمليات حزب الله في لبنان.
ولقي هذا التهديد رداً حاسماً من قاليباف الذي دعا الجانب الأميركي لتوخي الحذر في التصريحات، مؤكداً جاهزية القوات المسلحة الإيرانية للرد بأساليب مختلفة تماماً.
وعقب تدوينة ترامب الهجومية، أوردت وسائل إعلام إيرانية أن فريقها الدبلوماسي انسحب فوراً من جولات التفاوض المباشرة مع الأميركيين، مفضلاً حصر القنوات الاتصالية عبر الوسطاء الدوليين حصراً.
ومما يعكس الفجوة العميقة وانعدام الثقة المتبادلة بين الطرفين، رفض أعضاء الوفد الإيراني بشكل قاطع التقاط أي صور تذكارية أو جماعية برفقة الفريق الأميركي قبيل بدء التدشين الرسمي للمفاوضات.
#مرايا الدولية



