لبنان

بين البروتوكول والرسائل… مشهدٌ لا يمرّ بلا قراءة

حفل "مدرسة المواطنية" يفتح أسئلة حول الوزارة

كتب الباحث منير حرب

٢١ حزيران ٢٠٢٦

أثار حفل تكريم المدارس المشاركة في مشروع “مدرسة المواطنية”، الذي أقيم الخميس الفائت برعاية السيدة الأولى اللبنانية، جملة من التساؤلات التي تجاوزت إطار المناسبة التربوية نفسها، لتلامس طبيعة العلاقة بين القصر الجمهوري ووزارة التربية، ودور المؤسسات التربوية الرسمية في إنجاح المشاريع الوطنية.

الحفل الذي اقتصر حضوره على نحو 150 مدير مدرسة خاصة ورسمية، شاركت فيه وزيرة التربية ريما كرامي إلى جانب المدير العام للتربية فادي يرق، ومديرة الإرشاد والتوجيه هيلدا خوري، ورئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء هيام إسحاق، ورئيس مصلحة التعليم الخاص عماد الأشقر، وهم جميعاً من المسؤولين الذين واكبوا المشروع وساهموا في تنفيذه على مدى مراحل متعددة.

غير أن اللافت لم يكن مضمون الحفل بقدر ما كان في بعض التفاصيل البروتوكولية التي لا تمر عادة مرور الكرام في الحياة العامة اللبنانية. فقد اقتصر ترحيب مقدم الحفل على السيدة الأولى والحضور، من دون الإشارة إلى وزيرة التربية أو سائر المسؤولين التربويين المشاركين، خلافاً لما جرت عليه العادة في المناسبات الرسمية.

ولم يقتصر الأمر على فقرة الترحيب فقط، بل برز مشهد آخر أثار انتباه عدد من الحاضرين خلال مراسم التكريم.

فعندما صعدت السيدة الأولى إلى المنصة لتسليم الميداليات والشهادات التقديرية للمدارس المشاركة، لم تُدعَ وزيرة التربية إلى مشاركتها عملية التسليم أو الصعود إلى المنبر، كما جرت العادة في مناسبات مشابهة يكون فيها الوزير المختص شريكاً أساسياً في رعاية المشروع ومواكبته.

وقد اعتبر بعض المتابعين أن هذه التفصيلة البروتوكولية تكتسب دلالة إضافية عند جمعها مع سائر الوقائع التي شهدها الحفل، فيما رأى آخرون أنها قد تكون مجرد خيار تنظيمي لا أكثر.

فهل كان ذلك مجرد سهو بروتوكولي؟ أم أن هناك رسالة أراد المنظمون إيصالها؟ وهل يعكس الأمر تراجعاً في مستوى الرضى عن أداء الوزيرة لدى بعض المرجعيات الرسمية؟ أم أن تحميل هذه الواقعة أكثر مما تحتمل يبقى في إطار التحليل والتأويل؟

الأسئلة لا تتوقف عند هذا الحد. فمشروع “مدرسة المواطنية” ليس مشروعاً مستجداً، بل أُطلق سابقاً برعاية ومتابعة السيدة الأولى، وشاركت في تنفيذه ومواكبته مؤسسات عدة داخل وزارة التربية، وفي مقدمها المركز التربوي للبحوث والإنماء، والإرشاد والتوجيه، والمديريات المختصة، فضلاً عن عشرات العاملين والخبراء الذين أسهموا في إعداد المحتوى ومتابعة المدارس وتنسيق الأنشطة.

ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: هل نالت هذه المؤسسات حقها من التقدير المعنوي؟ وهل جرى توجيه الشكر الكافي إلى من قاموا فعلياً بالعمل التنفيذي لإنجاح المشروع؟ أم أن الأضواء ذهبت في اتجاهات أخرى، فيما بقي أصحاب الجهد الحقيقي في الظل؟

كما يلاحظ كثيرون أن كلمات الشكر والإشادة ركزت بصورة لافتة على الجهات والمنظمات الدولية الداعمة، وفي مقدمها اليونسكو، وهو أمر مستحق بطبيعة الحال، لكن السؤال يبقى: هل جاء ذلك على حساب إبراز دور وزارة التربية ومؤسساتها؟ وهل يمكن أن يُفهم هذا الأمر كرسالة سياسية أو إدارية موجهة إلى الوزارة الحالية؟ أم أنه مجرد خيار تنظيمي لا يحمل أي أبعاد إضافية؟

وفي سياق متصل، لا يمكن فصل هذه الوقائع عن النقاش القائم داخل الوسط التربوي حول أسلوب إدارة الوزارة في الأشهر الأخيرة.

فثمة من يتحدث عن تراجع حضور المديرين العامين ورؤساء الوحدات التربوية في صناعة القرار، وعن ميل متزايد إلى حصر الملفات الأساسية ضمن دائرة ضيقة، ما أدى إلى شعور عدد من المسؤولين التربويين بأن أدوارهم باتت هامشية مقارنة بما كانت عليه في السابق.

لكن السؤال الأهم يبقى: إذا كانت هناك ملاحظات على أداء الوزيرة أو على طريقة إدارتها لبعض الملفات، فما ذنب المديرين العامين والوحدات التربوية والمؤسسات التابعة للوزارة؟

وهل يجوز أن يذهب الصالح بالطالح؟

فالمركز التربوي للبحوث والإنماء ليس الوزيرة، والإرشاد والتوجيه ليس الوزيرة، والمديرية العامة للتربية ليست الوزيرة.

هذه مؤسسات قائمة بذاتها، تضم كفاءات وخبرات راكمت سنوات طويلة من العمل في خدمة التربية اللبنانية.

وإذا كان هناك من تحفظ على أداء سياسي أو إداري معين، فهل من العدل أن ينسحب ذلك على مؤسسات بأكملها وعلى أشخاص ساهموا بجهد واضح في إنجاح المشروع؟

إن أخطر ما يمكن أن تشعر به الإدارات الرسمية هو أن جهودها لم تعد تُقاس بما تنجزه، بل بالصورة السياسية للوزير الذي تتبع له. عندها يصبح الموظف والخبير والمدير ضحية معادلة لا يملك قرارها، ويذهب الصالح بالطالح، فتغيب الإشادة بمن عمل وأنجز، ويُحجب التقدير عمن استحقه.

ومن هنا تبرز أسئلة إضافية: هل كان تغييب الإشادة الواضحة بالمديرين العامين والوحدات التربوية مجرد هفوة بروتوكولية؟ أم أنه انعكاس لنظرة تختزل الوزارة بشخص الوزير وتغفل المؤسسة بكل مكوناتها؟ وهل يشعر القائمون على هذه الإدارات بأن دورهم ما زال مقدراً كما يجب؟ أم أن ثمة شعوراً متنامياً بالتهميش داخل الجسم التربوي؟

أما على مستوى القصر الجمهوري، فليس هناك ما يؤكد وجود موقف سلبي من الوزيرة أو من أدائها، لكن السياسة اللبنانية علمتنا أن التفاصيل الصغيرة كثيراً ما تحمل رسائل أكبر من حجمها الظاهر. فالكلمات، والترتيبات البروتوكولية، وأولويات الشكر، وطريقة إدارة المناسبات الرسمية، كلها عناصر تتحول أحياناً إلى مؤشرات يقرأها المتابعون بعناية.

لذلك تبقى الأسئلة مفتوحة: هل كان ما جرى مجرد خطأ تنظيمي عابر؟ أم أن وراء المشهد رسائل أراد البعض إيصالها؟ وهل كان المقصود شخص الوزيرة أم أن الأمر انعكس ظلماً على مؤسسات تربوية كاملة دفعت ثمن خيارات لا تملك قرارها؟

أسئلة قد لا تجد جواباً اليوم، لكن المؤكد أن أي مشروع تربوي وطني لا ينجح إلا عندما يشعر جميع الشركاء بأن جهودهم موضع تقدير واحترام، وأن المؤسسة التربوية بكل مكوناتها حاضرة في المشهد، لا غائبة عنه، وأن الإنجاز يُنسب إلى أصحابه الحقيقيين، لا أن يذهب الصالح بالطالح.

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى