لبنان

الشرق الأوسط وصراع الإرادات في زمن الهيمنة

فاتن: هل يستطيع العالم أن يؤسس لسلام قائم على العدالة؟

Fatin Ali

‏ink.by.Fatin

‏لم تعد الأزمة الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية عابرة بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمفهوم السيادة وحدود النفوذ في النظام الدولي المعاصر. فالأحداث المتسارعة التي تشهدها المنطقة تكشف عن صراع يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة ليصل إلى أسئلة أكثر عمقًا تتعلق بشرعية التدخل الخارجي، وحق الدول في حماية أمنها القومي، ومستقبل التوازنات الإقليمية في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.

‏وليس من الممكن فهم المشهد الراهن بمعزل عن جذوره التاريخية؛ فالتوتر القائم اليوم ليس وليد الأشهر الأخيرة، بل هو امتداد لعقود طويلة من الصراع على النفوذ والمصالح في الشرق الأوسط، منذ التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة في النصف الثاني من القرن العشرين، وما رافقها من سباق على النفوذ السياسي والعسكري وإعادة رسم خرائط التحالفات الإقليمية والدولية.

‏إن أي قراءة موضوعية للمشهد الحالي لا يمكن أن تتجاهل حقيقة أساسية تتمثل في أن القوى الكبرى لم تعد تكتفي بحماية مصالحها داخل حدودها الجغرافية، بل باتت تنقل صراعاتها إلى مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن أراضيها، مستندة إلى تفوقها العسكري والتكنولوجي لإعادة رسم خرائط النفوذ بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: إلى أي مدى يحق لدولة تقع خلف المحيطات أن تحمل أساطيلها وطائراتها وصواريخها إلى منطقة أخرى تحت ذرائع الأمن القومي أو حماية الحلفاء؟

‏وبحسب هذا المنظور، فإن الحديث عن الصراع لا يكتمل من دون وضع الإصبع على أصل الأزمة، والمتمثل في اختلال موازين القوى الإقليمية والتدخلات العسكرية الخارجية القادمة من خارج المنطقة، والمصحوبة بحسابات استراتيجية تتجاوز حدود الدول والشعوب التي تدفع اليوم ثمن هذه المواجهات.

‏ومن الإنصاف، في نظر شريحة واسعة من شعوب المنطقة، الإشارة إلى أن إيران لا تنظر إلى نفسها بوصفها طرفًا معتديًا، بل دولة وجدت نفسها في مواجهة ضغوط عسكرية وسياسية متواصلة، الأمر الذي دفعها إلى تبني استراتيجية دفاعية تعتبرها ضرورة لحماية أمنها القومي وسيادتها الوطنية. وترى هذه الرؤية أن الوجود العسكري الأمريكي والدعم الغربي غير المحدود لإسرائيل شكّلا عاملاً رئيسياً في دفع المنطقة نحو مزيد من التوتر والتصعيد.

الشرق الأوسط وصراع الإرادات في زمن الهيمنة
فاتن علي

‏وفي المقابل، لا يمكن اختزال ما يجري اليوم في صورة صراع تقليدي بين دولتين، بل هو انعكاس لأزمة أعمق يعيشها النظام الدولي، حيث أصبحت مفاهيم الردع والسيادة والقانون الدولي خاضعة لموازين القوة أكثر من خضوعها للمعايير القانونية والأخلاقية. وبين الروايات المتناقضة والمواقف المتصارعة، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أن الشرق الأوسط تحول، مرة أخرى، إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الدولية مع حسابات الجغرافيا السياسية.

‏وتنظر إيران إلى أي استهداف مباشر لبنيتها التحتية بوصفه اعتداءً على سيادتها الوطنية ومحاولة لإخضاعها سياسيًا وعسكريًا، في حين ترى الولايات المتحدة وإسرائيل أن الضغوط العسكرية والاقتصادية تمثل وسيلة لاحتواء النفوذ الإيراني في المنطقة. وبين هذين المنظورين تقف شعوب الشرق الأوسط أمام واقع بالغ الخطورة، لأنها ستكون الطرف الأكثر تضررًا من أي مواجهة شاملة، مهما كانت نتائجها العسكرية.

‏وفي خضم صراع القوى الكبرى، يبقى الإنسان العادي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة المعقدة؛ فالمواطن البسيط لا تعنيه خرائط النفوذ ولا حسابات الجيوش بقدر ما يعنيه أن يعيش بأمان، وأن يحافظ على بيته وأسرته ومستقبل أطفاله. غير أن الحروب، في كثير من الأحيان، تُكتب في غرف السياسة، بينما تُدفع أثمانها في الشوارع والمنازل والمستشفيات.

‏إن أخطر ما في المرحلة الراهنة لا يكمن في حجم الترسانات العسكرية التي يمتلكها كل طرف، بل في اتساع رقعة الاشتباك المحتمل. فالحروب الحديثة لم تعد محصورة داخل حدود الدول، بل أصبحت تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية والأمن الإقليمي، الأمر الذي يجعل أي خطأ في الحسابات السياسية قادرًا على إشعال المنطقة بأسرها.

‏وفي خضم هذا التصعيد، تتحرك قوى إقليمية ودولية لاحتواء الأزمة ومنع انزلاقها نحو حرب مفتوحة، إدراكًا منها أن النار إذا اشتعلت فلن تتوقف عند حدود دولة بعينها، بل ستمتد آثارها إلى الجميع بدرجات متفاوتة. فالتاريخ يثبت أن الحروب الكبرى تبدأ بقرارات سياسية محدودة، لكنها كثيرًا ما تنتهي بتحولات جيوسياسية لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

‏ويقف الشرق الأوسط اليوم أمام مفترق طرق مصيري؛ فإما أن تنتصر لغة العقل والدبلوماسية والمصالح المشتركة، وإما أن تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراعات الطويلة التي ستعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات لعقود مقبلة.

‏وربما لا تكمن المأساة الكبرى في الحروب نفسها، بل في عجز البشرية عن التعلم من نتائجها، وفي إصرار القوى الكبرى على إعادة إنتاج الصراعات ذاتها بأسماء جديدة وشعارات مختلفة. وبين منطق القوة وحق السيادة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع العالم أن يؤسس لسلام قائم على العدالة والتوازن، أم أن الشرق الأوسط سيظل ساحةً لتصفية الحسابات الدولية، فيما تستمر الشعوب في دفع أثمان لم تكن يوماً طرفاً في صناعتها.؟

‏#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى