دولي

أزمة الثقة بين زيلينسكي وواشنطن وتحول النظام العالمي

ستارلينك تكشف تبعية كييف وتصدّع الغرب

الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر

في مقابلة مع الصحفي البريطاني بيرس مورغان طالب رئيس نظام كييف زيلينسكي رجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك بإعادة تشغيل خدمة “ستارلينك”.

جاء ذلك عقب فرض قيود على سرعة الاتصال بالأجهزة المستخدمة في تشغيل المسيرات العسكرية الأوكرانية التي يستخدمها نظام كييف في هجماته الإرهابية على المصافي والمنشآت المدنية في عمق الأراضي الروسية ضمن منظومة “ستارشيلد” Starshield العسكرية المرتبطة بتكنولوجيا “ستارلينك”، وقد أثرت تلك القيود في عمليات الهجوم واعتراض المسيرات الروسية.

وفي مقابلته مع بيرس مورغان، وصف زيلينسكي ما يحدث بأنه خطأ كبير “قد يؤدي إلى خسائر بشرية”، آملا في أن يكون خللاً تقنياً وطالب بإعادة تشغيل الخدمة.

من جانبه رد مايك بأن منظومة “ستارشيلد” العسكرية تخضع لسيطرة الحكومة الأمريكية، وأن أي قيود على سرعتها أو استخدامها يقررها الجيش الأمريكي، وعلى رأسه القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس الولايات المتحدة. أما خدمة “ستارلينك” التجارية فتديرها شركته “سبيس إكس”.

في 15 أكتوبر عادت الخدمة وأفادت مصادر في وزارة الدفاع الأوكرانية باستعادة الاتصال التشغيلي مع استمرار التحقيق في أسباب القيود ومن دون تأكيد أن جميع القيود رفعت في جميع المواقع.

يأتي ذلك على خلفية التراشق اللفظي بين زيلينسكي وترامب، حيث بدأ الرئيس الأمريكي التصعيد، 10 أكتوبر الجاري، بقوله إنه ينبغي أن يكون لأوكرانيا رئيس جديد، واتهم زيلينسكي بأنه كان يستطيع إنهاء الحرب مراراً لكنه اختار عدم فعل ذلك. وجاء ذلك بعد اتفاق أمريكي روسي بشأن إتاحة صادرات الديزل الروسي وفي ظل اعتراض ترامب على الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية.

من جانبه قال زيلينسكي (الذي يتحمل مسؤولية فقدان أكثر من مليون مواطن أوكراني)، خلال زيارته الأخيرة لبريطانيا، وفي المقابلة مع مورغان، إنه “من المؤلم أن يختار الرئيس ترامب طرفاً آخر، لا طرفناً”. وقال إن بلاده “ليست للبيع” وإن المسألة “ليست صفقة تجارية” بل يتعلق الأمر بالنسبة للأوكرانيين بحياتهم وبلادهم.

لقد انتقلت العلاقة الأمريكية الأوكرانية من خلاف على شروط التسوية إلى خلاف على تعريف مفهوم الشراكة: فهل واشنطن تعرف نفسها بوصفها وسيطاً بين موسكو وكييف، أم أنها حليف ملتزم بدعم كييف؟ وهل يحق لواشنطن أن تطلب من أوكرانيا تقييد عملياتها العسكرية التي تضرب المصالح الأمريكية؟ وما مدى خطورة الأذرع التي تمتلكها واشنطن للتأثير على كييف، وهي كثيرة؟

تعيدنا أزمة “ستارلينك” مجدداً إلى مدى استقلال الإرادة الأوكرانية والقرار الأوكراني في ظل الاعتماد العسكري والتقني الكبير على الغرب وتحديداً على الولايات المتحدة الأمريكية. كذلك تكشف الأزمة أن الاعتماد على التكنولوجيا لا يمنح الدولة قدرات إضافية فحسب، بل قد يضع جزءاً من قرارها الاستراتيجي في أيدي الطرف الذي يمتلك التكنولوجيا ويتحكم في تشغيلها. وعندما تتراجع الثقة السياسية بين الحليفين، تتحول هذه التبعية التقنية من مصدر قوة إلى نقطة ضعف يمكن أن تؤثر في مسار الحرب ونتائجها وفي خيارات التسوية.

لقد صرح الأمين العام لحلف “الناتو”، يناير 2026، بأن أوروبا لا تستطيع حالياً توفير ما تحاج إليه أوكرانيا للدفاع عن نفسها، وأن استمرار تدفق الأسلحة الأمريكية ضروري لإبقاء أوكرانيا “قادرة على القتال”! وفي يوليو، أعلنت المفوضية الأوروبية أن دول الاتحاد قدموا 77 مليار يورو من الدعم العسكري، مؤكدة أن بناء القدرات الصناعية الدفاعية الأوروبية والأوكرانية يحتاج إلى مزيد من التطوير.

وفي 28 سبتمبر قالت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس إن أوروبا بحاجة إلى تسريع إعادة التسلح وزيادة قدراتها الصناعية والتكنولوجية لتحقيق أهداف الجاهزية الدفاعية لعام 2030.

فإذا أعدنا للذاكرة ما صرح بيه كل من المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند والرئيس الأوكراني السابق بيوتر بوروشينكو بأن اتفاق مينسك لعام 2014 كان “محاولة لمنح أوكرانيا الوقت، وقد استخدمته أوكرانيا كي تصبح أقوى”، وذهب بوروشينكو للقول إن اتفاقات مينسك لم تكن سوى “فرصة لبناء القوات المسلحة والاقتصاد الأوكراني، حيث كان الهدف تأخير الحرب وإتاحة 8 سنوات لإعادة بناء الاقتصاد وتعزيز القوات المسلحة”. فإن ما يحدث اليوم هو على وجه التحديد ذات الأسلوب من قبل أوروبا، التي تحاول الإبقاء على أوكرانيا في الصراع واستنزاف روسيا قدر المستطاع، حتى 2030، حينما تكون جاهزة للمواجهة مع روسيا.

لهذا تمنحنا تجربة “مينسك” أساساً تاريخياً لمساءلة التصريحات الأوروبية الحالية: هل يستخدم وقف إطلاق النار كوسيلة لكسب الوقت وبناء القدرات العسكرية استعداداً لمواجهة مستقبلية؟

ربما لهذا السبب نلمح الهستيريا الأوروبية التي اندلعت عقب صفقة الديزل بين روسيا والولايات المتحدة، حيث شددت كايا كالاس على أن إنهاء الحرب، فيما ترى وتعتقد، “يتطلب زيادة الضغط على روسيا، لا تخفيفه” داعية واشنطن إلى استخدام “أدوات ضغط إضافية على موسكو”. ورفض المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن تحذو أوروبا حذو واشنطن مؤكداً أن هذا أمر “غير وارد”، مؤكداً أن روسيا لن تتفاوض بجدية إلا “تحت الضغط”، وأن ألمانيا ستواصل سياسة العقوبات.

من جانبه شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على ضرورة “مواصلة المسار المشترك لدعم أوكرانيا والتعامل مع روسيا، فيما وصفت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني الاتفاق بأنه “خيار شديد الخطورة”، يمنح موسكو شرعية بينما “تستمر الضربات الروسية على المدن الأوكرانية”.

ربما لهذا السبب يخشى “القادة” الأوروبيون الانقسام عبر الأطلسي، بينما فاجأ الاتفاق العواصم الأوروبية، ودفع هؤلاء إلى إعادة التأكيد على “دعم أوكرانيا” والذي يعني ضمنياً “المضي قدماً في المخطط ضد روسيا”، والتأكيد أيضاً على أن المواقف “موحدة” في مواجهة موسكو.

من ناحية أخرى، رحب رئيس الوزراء البلغاري رومين راديف بالصفقة، مستنداً إلى ارتفاع أسعار الوقود وحاجة أوروبا إلى حماية قدرتها التنافسية.

بالطبع لم ولن تؤدي الهستيريا الأوروبية إلى إلغاء الصفقة الروسية الأمريكية، لكن أوروبا ستمضي في طريقها وستستعد “دفاعياً” كما تقول، بينما تصر في الوقت نفسه على استمرار الضغط على روسيا، بينما تتجه واشنطن إلى تفاهمات انتقائية مع موسكو حيث لم يعد الخلاف فقط حول كيفية إنهاء الحرب الأوكرانية، بل حول شكل النظام الأمني الأوروبي ومن يملك قرار التعامل مع روسيا وحول شكل النظام العالمي الجديد الذي انتقل فعلياً من نظام الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية، ويواجه الآن تحديات هذا التحول الكبير والمزعج للبعض.

يظل الجدير بالذكر أن سلوك وتصريحات القادة الأوروبيين (وخاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا)، في القمة الأوروبية الأخيرة في بروكسل، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك التورط المباشر لتلك الدول منذ البداية في التخطيط للمؤامرة ضد روسيا باستخدام أوكرانيا.

#مرايا_الدولية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى