صحة و جمال

اكتشاف طبي يصحح مفاهيم إنتاج الدم البشري

الفئران لا تطابق الإنسان في تكوين الخلايا

نجح فريق من العلماء في التوصل إلى كشف علمي بارز من شأنه أن

يعيد صياغة المفاهيم الطبية المستقرة منذ عقود طويلة حول كيفية توليد الجسم البشري لخلايا الدم الحمراء. وأثبتت دراسة مخبرية حديثة أن هذه الحيوية البيولوجية تتم لدى الإنسان بأسلوب يغاير تماماً ما يحدث داخل أجسام الفئران، وهي الكائنات التي طالما شكلت الركيزة الأساسية لمعظم البحوث والتجارب الطبية الحيوية في العالم. ووفقاً للنتائج التي أوردتها دورية “CELL” العلمية المرموقة، فإن هذا الإنجاز يمثل تحولاً جوهرياً ومحورياً في فهم كواليس إنتاج خلايا الدم الحمراء، والتي تصنف باعتبارها الأكثر انتشاراً ووفرة في الجسد البشري.

وقد قاد هذا البحث الدقيق الدكتور بنج جي، الباحث في كلية فاينبرج للطب بجامعة نورثويسترن بالولايات المتحدة الأميركية، رفقة فريقه العلمي. واستعان الباحثون بتقنيات مجهرية حديثة ومتطورة للغاية، أتاحت لهم للمرة الأولى إمكانية الإبقاء على الهيكل الطبيعي والتركيب الأصلي لما يُطلق عليه علمياً “جزر خلايا الدم الحمراء”، مما مكنهم من إجراء مقارنة تشريحية مباشرة بين عينات مأخوذة من البشر وأخرى من الفئران. وفي سياق متصل، أشار الدكتور جي إلى أن الأغلبية العظمى من المعلومات والبيانات الطبية السابقة كانت ترتكز بصورة كاملة على تجارب أجريت إما على الفئران، أو عبر فحص خلايا معزولة ومفصولة داخل بيئات معملية مسطحة ثنائية الأبعاد، وهي ظروف اختبارية لم تكن قادرة على محاكاة الشكل الطبيعي والتنظيم الحيوي الحقيقي لهذه الخلايا في البيئة الحية داخل الجسم.

وأماطت الدراسة اللثام عن تفاصيل هذا التباين؛ إذ تبين أن “جزر خلايا الدم الحمراء” في أجسام الفئران تتشكل وتتمحور حول خلية بلعمية مركزية، وهي عبارة عن فئة من خلايا الدم البيضاء التي تضطلع بمهمة رئيسية في مكافحة الجراثيم والفيروسات والتخلص من الأنسجة التالفة، كما تشتمل هذه الخلية على بروتين محدد يُعرف بـ C1q، والذي يساهم بفاعلية في تنظيف مخلفات الخلايا وتنقيتها بالتزامن مع مراحل نموها. وعلى الننيق تماماً مما هو سائد لدى الفئران، رصد العلماء أن خلايا الدم الحمراء لدى الإنسان تتجمع وتصل إلى مرحلة النضج بشكل تلقائي وذاتي، دون الحاجة لوجود تلك الخلية البلعمية المركزية لتدبير وتنظيم العملية، وهو اكتشاف ينسف تماماً الفرضيات العلمية التي ظلت مقبولة ومسلم بها لسنوات طوال. وعقب الدكتور جي على هذا التحول قائلاً: “لقد كان الاعتقاد السائد أن عملية تشكل الدم عند البشر تطابق وتماثل نظيرتها في الفئران، بيد أن نتائجنا المخبرية الحالية تقدم دليلاً قاطعاً على أن المنظومتين تختلفان اختلافاً جذرياً وأساسياً”.

ويتوقع الباحثون أن يلقي هذا الكشف بظلاله على الآليات المتبعة في تفسير وتشخيص مجموعة من أمراض الدم المستعصية، فضلاً عن إمكانية تأثيره الإيجابي في ابتكار وتطوير استراتيجيات علاجية جديدة، لا سيما وأن قسماً كبيراً وضخماً من الأبحاث الصيدلانية والعلاجات يعول على نماذج القوارض لفهم طبيعة الاعتلالات البشرية. واستطرد جي موضحاً أن تباين الطريقة الأساسية لتوليد الدم بين الكائنين يفرض ضرورة إخضاع بعض الخلاصات والنتائج المستقاة من التجارب على الحيوانات لعمليات إعادة تقييم ومراجعة دقيقة قبل الشروع في تطبيقها أو تعميمها على البشر أيضاً.

وفي الختام، طرح هذا الإنجاز العلمي حزمة من التساؤلات والاستفسارات الجديدة في الأوساط الطبية، ولعل من أبرزها معرفة الكيفية والآلية البديلة التي يستعيض بها الجسم البشري لتعويض غياب الخلية البلعمية المركزية، والتي تلعب دوراً حاسماً لدى الفئران في نزع نوى الخلايا وتنحيتها أثناء أطوار نضج الكريات الحمراء. ونوه الفريق البحثي إلى أن المشاريع العلمية القادمة سوف تسخر جهودها لفك شفرات هذه الأسئلة، مما قد يفتح آفاقاً أرحب لتعميق الإدراك البشري بآليات تكوين الدم وصناعة أدوية وعلاجات أكثر فاعلية ودقة للأمراض المرتبطة به.

#مرايا الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى