لبنان

هل تُدار التعيينات وفق الكفاءة… أم وفق الولاء؟

اتهامات تطال نزاهة المقابلات ومصير الكفاءات مجدداً

كتب ربيع خوري

بعد تعيين مازن الخطيب مديراً عاماً للتعليم العالي، رغم الجدل الواسع والأسئلة التي أُثيرت حول إدارته للمديرية خلال فترة تكليفه، يبدو أن وزيرة التربية ريما كرامي تسعى، بحسب ما يُتداول، إلى تكرار المشهد نفسه في المركز التربوي للبحوث والإنماء.

فالمرشحة التي يُقال إنها تحظى بدعم الوزيرة هي الدكتورة هيام إسحاق، المكلفة حالياً بإدارة المركز، في وقت يضم المركز موظفين أقدم منها خدمةً، ويتمتع عدد منهم بالمؤهلات العلمية والخبرة الإدارية المطلوبة منذ سنوات طويلة.

وهنا يبرز السؤال: هل أصبحت الأقدمية والخبرة والكفاءة مجرد تفاصيل يمكن تجاوزها عندما يكون القرار السياسي قد حُسم سلفاً؟

لكن الأخطر، إذا صحت المعلومات المتداولة، يتمثل في ما جرى يوم المقابلات الشفهية. فقد أفادت معلومات بأن مبنى الدكوانة أُخلي من الموظفين، فيما بقي أربعة من مستشاري الدكتورة هيام إسحاق داخل المبنى خلال فترة المقابلة لمساعدتها، وهو أمر، إن ثبت، يثير علامات استفهام جدية حول نزاهة الإجراءات وتكافؤ الفرص بين المرشحين، لأن أي تدخل أو مساعدة خلال مقابلة يفترض أن تكون فردية يعد مخالفة لمبدأ العدالة في المنافسة.

فإذا كانت المقابلات الشفهية تهدف إلى قياس كفاءة المرشح وقدرته الذاتية، فما مبرر وجود مستشارين إلى جانبه؟ وهل حصل سائر المرشحين على الامتياز نفسه؟ أم أن هناك مرشحاً “مدعوماً” وآخرين حضروا فقط لإكمال المشهد؟

ولا تقف علامات الاستفهام عند هذا الحد. فالمركز التربوي للبحوث والإنماء بصدد تسمية أربعة أعضاء في مجلس الاختصاصيين، وهي مراكز يُفترض أن تأتي، وفق الآليات المعتمدة، من خلال انتخابات أو اختيار داخلي يعكس إرادة الجسم التربوي داخل المركز، لا وفق رغبة شخص واحد.

إلا أن المعلومات المتداولة تشير إلى أن الدكتورة هيام إسحاق رشحت المستشارين الأربعة أنفسهم الذين كانوا إلى جانبها يوم المقابلة، بعدما طلبت وزارة التنمية الإدارية تزويدها بالأسماء. وهنا تبرز علامات استفهام إضافية، لا سيما أن المركز يضم عشرات الكفاءات وأصحاب الخبرة الذين كان يمكن الاختيار من بينهم.

فهل أصبح مجلس الاختصاصيين مكافأة للمقربين؟ وهل أُقصيت الكفاءات لأن الولاء أصبح المعيار الوحيد؟

والسؤال الأكثر إحراجاً، والذي يفرض نفسه أمام هذه الوقائع إذا ثبتت: هل كان ترشيح هؤلاء الأربعة هو ثمن صمتهم أو مساعدتهم خلال المقابلة؟ هذا سؤال مشروع يفرضه تسلسل الأحداث، ولا يمكن تبديده إلا بكشف كامل للوقائع والآلية التي اعتمدت في الاختيار.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب مؤسسة تربوية هو أن يشعر العاملون فيها بأن الاجتهاد والخبرة والأقدمية لم تعد ذات قيمة، وأن الطريق إلى المناصب يمر عبر دائرة النفوذ لا عبر الكفاءة. عندها لا يعود الحديث عن إصلاح تربوي إلا شعاراً للاستهلاك الإعلامي.

إن ما تحتاجه وزارة التربية اليوم ليس مزيداً من التعيينات التي تحيط بها الشبهات، بل عملية شفافة تخضع لرقابة حقيقية، تُحترم فيها معايير الكفاءة والمساواة، ويُصان فيها حق كل مرشح بالمنافسة العادلة.

وأمام خطورة هذه المعطيات، يصبح من حق الرأي العام والجهات الرقابية المطالبة بكشف حقيقة ما جرى يوم المقابلات، ونشر كل الوقائع المتعلقة بها، لأن أي تعيين يفقد ثقة الناس منذ لحظة ولادته، لن يمنح المؤسسة إلا مزيداً من فقدان المصداقية.

فإذا كانت هذه الوقائع غير صحيحة، فليصدر نفي موثق يبدد الشكوك. أما إذا كانت صحيحة، فإن ما جرى لا يمكن وصفه بأنه مجرد مخالفة إدارية، بل هو مساس مباشر بمبدأ تكافؤ الفرص وثقة الموظفين بالدولة.

إن المؤسسات التربوية لا تُبنى بالمحسوبيات، ولا تُدار بالولاءات، بل تُبنى بالشفافية واحترام القانون. وأي خروج عن هذه المبادئ، إن ثبت، يستوجب تحقيقاً جدياً ومحاسبةً، لأن التربية هي آخر ما تبقى من هيبة الدولة، ولا يجوز أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات أو توزيع المكافآت.

#مرايا_الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى